النويري

140

نهاية الأرب في فنون الأدب

فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا ، وتقدمهم علىّ على بغلة ، فحملوا معه حملة رجل واحد ، فلم يبق لأهل الشام صفّ إلا انتقض ، وقتلوا كلّ من انتهوا إليه ، حتّى بلغوا معاوية ، فناداه علىّ : فقال علام يقتل الناس بيننا ؟ هلمّ أحاكمك إلى اللَّه ، فأيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور . فقال عمرو : أنصفك . فقال معاوية لعمرو : ما أنصفت ، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله . فقال عمرو ما يحسن بك ترك مبارزته ، فقال معاوية : طمعت فيها بعدى ! . قال [ 1 ] : وكان أصحاب على قد وكلوا به رجلين يحفظانه ، لئلا يقاتل ، فكان يحمل إذا غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه ، وإنه حمل مرّة فلم يرجع حتّى انثنى سيفه ، فألقاه إليهم ، وقال لولا أنّه انثنى ما رجعت إليكم . فقال الأعمش [ 2 ] لأبى عبد الرحمن : هذا واللَّه ضرب غير مرتاب ! . قال [ 3 ] : وأما هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص فإنّه دعا الناس عند المساء وقال : ألا من كان يريد اللَّه والدار الآخرة فإلىّ . فأقبل إليه الناس ، فحمل على أهل الشام مرارا ، ويصبرون له ، وقاتل قتالا شديدا ، وقال لأصحابه : « لا يهولنّكم ما ترون من صبرهم ، فو اللَّه ما هو إلَّا حميّة العرب وصبرها تحت راياتها ، وإنهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحق » ثم حرّض أصحابه ، وحمل في عصابة من القرّاء فقاتل قتالا شديدا ، فقتل يومئذ تسعة أو عشرة ، وحمل عليه الحارث ابن المنذر التّنوخى ، فطعنه فسقط ، وأرسل إليه علىّ : أن قدّم

--> [ 1 ] ابن الأثير في الكامل . [ 2 ] الأعمش راوي هذا الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمى . [ 3 ] كذا جاء عند ابن جرير وأن الأثير ؛ وجاء في المحظوطة ( وهم لا يزالون ) .